الشيخ المحمودي

615

نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة

أهل الآخرة بأخراهم . فأمّا أهل الدّنيا فأتعبوا أبدانهم ، ودنّسوا أعراضهم ، وخرجوا [ عن ] ديارهم في طاعة مخلوق مثلهم ، تعبّدوا له وطلبوا ما في يده ، وأذعنوا له ووطئوا عقبه ، فصار أحدهم يرجو عبدا مثله ، لا يرجو اللّه وحده . وأمّا صاحب الطّاعة « 36 » فاتّبع أثر نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وسلك مناهجه ، وكان له فيه أسوة حسنة ، استنّ بسنّته حين حقّر الدّنيا وصغّرها ، فقد كان يركب الحمار ويردف خلفه ، ويأكل على الأرض ويجلس جلسة العبد ، ويجيب المملوك ، ويخصف نعله ويرقع ثوبه ، ويكره السّتر على بابه فيه التّصاوير ، ويقول : يا عائشة أخرجيه عنّي ! فمن استنّ بسنّته واقتصّ أثره « 37 » وإلّا فلا يأمننّ هلكته . والحمد للّه الّذي أكرمنا بمحمّد صلّى اللّه عليه وسلّم أرسله رحمة وحجّة ، فجلّت ووصلت إلينا نعمه بنعمة أسبغها علينا ، فبلّغ رسالات ربّه وناصح لأمّته منذرا وداعيا ، فما أعظم النّعمة علينا بمحمّد صلّى اللّه عليه وسلّم وبه هدانا اللّه من الضّلالة ، واستنقذنا به من [ جمر [ ا ] ت ] النّار « 38 »

--> ( 36 ) أي الذي يملك الطاعة ويجب على الناس الانقياد لأوامره ، كما يجب على المماليك الانقياد لمولاهم وصاحبهم ومالك رقبتهم ، وهذا مقابل لقوله : « فأمّا أهل الدنيا . . . » . ومقتضى السياق أن يقول : « وأما أهل الآخرة . . . » . وإنّما عدل عنه إلى هذا ليبيّن أن المراد من أهل الدنيا - هنا - هو معاوية وأتباعه ، وأنّ المراد من أهل الآخرة هو عليه السّلام وأتباعه الذين يسلكون مسالكه ولا يجوزون عنها . ( 37 ) الجزاء محذوف أي من اقتصّ واتّبع أثر النبيّ فهو من الناجين الذين ينعم اللّه عليهم بمرافقة الشهداء والصّدّيقين . ( 38 ) وفي نسختي هكذا : « واستعذنا به من حيرب النار ، وبصرنا به من العمى ، وعملنا به بعد الجهالة ، وأعرنا به في حلسا . . . » . والجمرات - محرّكة - : جمع الجمرة - بفتح الجيم وسكون الرّاء - : النار المتّقدة .